لعلّهم يعقلون 06 | إلآ الدُّعاء..

إبراهيم محفوظ

مساء العاشر من يوليو 1978 وعلى بعدِ يومٍ واحدٍ من امتحان البكالوريا لتلك السّنة كان ( محمد الأمين بن عبد الرحمن ) من ضمنِ طُلّاب البكالوريا لتلك السّنة ، ولكنّ وعكةً صحيّة ألمّت به قبل الإمتحان ، وكان غير مستعدّ للمشاركة ، فسأل الله عز وجل أن لا يكون الإمتحان غداً ، ووقع انقلاب العاشر من يوليه على الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله تعالى ، وتأخر موعد امتحانات الباكالوريا يوما واحدا ليكون صبيحة الحادي عشر من نفس الشّهر ، وتحقق لصاحبنا ما كان يطلب وشارك في الامتحان ونجح، وسارت حياتهُ بشكلٍ طبيعي.

القصّة أعلاه أعرفُ صاحبها ، وهو إبنُ عمّ شيخنا محمد الأمين مزيد، وقد أوردّتها كمثالٍ على قُدرةِ الدّعاء على تغيير مجرى أيّ أمرٍ وتبديلِ مسار أيّ حكاية متى ما رَفع العبدُ أكفّه إلى الله وهو واثقٌ أنّه سيستجيب .
وهذه الثّقة للأسَف هي ما تَحرمنا من استجابةِ أدْعيتنا وتحقيق مُرادنا ، لأنّنا لا نلجئ للدّعاء إلا بَعد استنفاذِ حلولنا المادّية ، وكأنّنا نستعملهُ كورقةِ حظٍّ أخيرة ، وكأنّ لسانَ حالنا يقولُ لنجرّب فهو أفضل من اللاشيء !
وفي هذا من التّهوين من شأن هذا السّلاح العظيم والقوّة الإعجازية الشيء الكبير ، هذا إذا لم يَكن فيه سوءُ أدبٍ مع الله .

يَخيّ إلَّا الدعاء..لماذا تقولُها بانكسارِ المنهزمِ وإفلاسِ الفاقد؟! تنطقها وكأنّك تجرّبٌ أمراً مصيرهُ الفَشل المحتوم!
يا جماعة عظمة الدعاء وقدْرُهُ وصلَتْ لأنه يغيِّر القدر نفسه ، تتخيّل هذه العظمة والتّأثير..
قال عليه الصلاة والسلام (ولا يرُدُّ القدَرَ إلا الدعاء)
وقال (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة)
يعتلجان يعني يتصارعان.
‘قُل لي بالله عليك: ما أقصى قدرات بشرية تمتلكها أي يمتكلها أي بشري يمكنها أن (تصارع) قدَرًا مكتوبًا قبل أن تولدَ أنت أصلًا؟’

“سَلُوا اللَّه كل شيءٍ حتى الشِّسْعَ، فإنَّ اللَّه عزَّ وجَلَّ إِنْ لم يُيَسِّرْهُ لم يَتَيَسَّرْ” ومعنى (حتى الشِّسْع) أي: حتى إصلاح النعل إذا انقطع ، يطلبون من الله مايصلحون به نعالهم وتعجزُ عن طلبِ إصلاح حياتك!
هذا كلامُ أمّنا عائشة ، وأنت تَخجلُ أن تدعوا الله بحاجتك وتنيب إليه في أمُورك ، أيُّ حاجةٍ لك ستكونُ أدنى من إصلاح شسع النّعل !

الأمثلة من التاريخ والسلف على استجابة الدعاء في أمور إعجازية كثيرةٌ جدًا لمن أرادَ أن يبحث، تدبَّر في إلقاءِ أم موسى لرضيعها في الأمواج مثلًا ، تدبّر في دعاء يونس ودعاء زكريا ، والدعوات الممتدّة من فجر التاريخ إلى اليوم ، حتّى نحن نعيشُ اليوم في ظلِ رحمة دعواتِ نبيّنا لأمّته صلوات ربي وسلامه عليه.

في حياتك اليومية وحياة الناس حولك، ستجدُ ما يحعلكَ توقنُ بلطفِ الله وإعجازية الإخلاصِ في الدعاءِ له، كم من أمرٍ تعيشه اليوم وواقعٍ تشاهدهُ أمامك عيانا كان يوماً ما حلماً في طيّاتِ دعاءٍ رفعتهُ أكفّك إلى باب السّماء !

زواجك ، أولادك ، نجاحك ، تجارتك ، صحّتك ، راحة بالك ، إلتزامك وهدايتك ، وكلُّ هذه الأشياء الجميلة في حياتك ، ألم تكن يوماً طيفاً من خيالٍ يتردّد في أروقة روحك ولا تجدُ سبيلاً لتحقيقها إلا الدّعاء ؟
وما زِلت تشكُّ أنّه – حاشاه – يعجزُ أن يُحقق بُغيتك من الدنيا والآخرة مهما عَظُمت ؟
( قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم ) يا أخي لولا هذا السّلاح الذي تستخفُّ لما عبئ بِنا ربُّ العباد، أما زِلت غير موقن ؟!

كلّ دعوةٍ صادقةٍ تدعوها تستجابُ لا محالة ، عاجلاً أم آجلا ، بخيرٍ تراهُ في حياتك عيانا أو شرّ يدفعهُ الله عنك بفضلِ دعواتك ، امتلاكُك لفضيلة الدعاء هو امتلاكُ سلاحٍ عظيمٍ بديعٍ رحيمٍ مُنجِزٍ خارقٍ فعَّالٍ مُفَرِّجٍ شامل.

وإن كنتَ تملكُ كلَّ شيءٍ فقُل أنك تملكُ الدعاءَ وعدَّة أشياءٍ ثانويةٍ معه، لأنّك لا شيئ بدونه، صفرٌ على الشّمال حرفيا !
وحين تقول لنفسِك وللآخرين: لا أملكُ إلَّا الدعاء
لا تقُلْها بانكسارِ المفلِس، بل قُلها بعِزَّةِ الغني الذي يملكُ كل شيء، لأنّك أدركت ذلك أم لم تدرك ، تملك – فِعليا – أعظم قوّة في الكون..

‘‏مَتَاهَاتُ الحَيَاةِ كَثِيرَةٌ..والمَخْرَجُ دُعَاء !’

والسّلام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى